سنة 2019.. امتحان الحريات العامة والاحتقان الاجتماعي بالمغرب

مغرس 0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ
امتحان الحريات
يتوقع أن تحسم الدولة خلال سنة 2019 في عدد من الملفات التي فتحتها سنة 2018، ومن خلال طريقة الحسم سترسم ما تبقى من مسار الطريق نحو المستقبل القريب. الملف الأول يتعلق بالحريات العامة، حيث تميزت سنة 2018 بأحكام قاسية ضد صحافيين على رأسهم توفيق بوعشرين الذي قضت في حقه غرفة الجنايات الابتدائية بالدار البيضاء ب12 سجنا نافذا، ويتوقع أن تكون 2019 سنة لصدور القرار الاستئنافي. هذا إضافة إلى ملفات حقوقية أخرى، مثل ملف معتقلي حراك الريف الذين قضت نفس المحكمة في حقهم بعقوبات رأت عدة منظمات حقوقية أنها “قاسية”، بل إن منظمة هيومن رايتس ووتش رأت أن محاكمة الزفزافي افتقدت إلى شروط المحاكمة العادلة.
سعيد السالمي، أستاذ العلوم السياسية بفرنسا، يرى أن الأحكام الاستئنافية في ملفات حراك الريف والصحافيين “ستحدد بوصلة الدولة على مستوى الحريات خلال السنوات المقبلة”، وأضاف أنه “إذا أبدت الدولة ليونة تجاه المعتقلين، وأطلقت سراح المعتقلين سياسيا، سنكون أمام انفراج إيجابي سينعكس على باقي الملفات السياسية والاجتماعية، لكن إذا شددت الخناق، وتم تأكيد الأحكام القاسية على مستوى الاستئناف، فإن حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي ستزداد، وستصبح كل المقاربات المطروحة فوق الطاولة عديمة الجدوى”.
تبدو إذن قضية الحريات بمثابة تحد أساسي للمغرب سنة 2019، خصوصا وأن كل التقارير التي صدرت سنة 2018 عن منظمات وطنية أو دولية نبّهت إلى التراجعات، استنادا إلى مؤشرات عديدة، منها ارتفاع المعتقلين لأسباب سياسية في السجون، يزيد عددهم عن الألف. ولعل هذا الوضع هو الذي دفع المنظمات الحقوقية المغربية إلى تنظيم مسيرة وطنية في الرباط للمطالبة بتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي مضى عليها أزيد من عشر سنوات.
خديجة الرياضي، حقوقية بارزة حاصلة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اعتبرت أن السنوات الأخيرة بما فيها 2018 كانت “سيئة”، وشهدت “ارتفاعا كبيرا في معدلات القمع والاعتقال السياسي والأحكام الجائرة، التي بلغت مستوى ظالم وقاس غير مسبوق”، ولذلك تأمل الرياضي أن تكون 2019 “سنة تزدهر فيها حقوق الإنسان”.
الاحتقان الاجتماعي
وإذا كانت السجون تغلي بنحو ألف سجين سياسي، أغلبهم من معتقلي حراك الريف وجرادة، فقد حصل ذلك نتيجة الاحتقان الاجتماعي، الذي قضّ مضجع الدولة خلال السنوات الفارطة ولا يزال التحدي الرئيس حتى الآن وخلال سنة 2019، لكونه يهدد الاستقرار والأمن. ويُجمع المحللون للشأن الاجتماعي والسياسي على أن التغلب على المشكلة الاجتماعية سيكون أبرز تحدّ ستواجهه الدولة بكل مؤسساتها، إذا هي أرادت تفادي اندلاع احتجاجات جديدة على غرار حراك الريف وجرادة وغيرهما.
في هذا السياق، يرى عادل بن حمزة، باحث وكاتب سياسي، أن “تدبير ارتفاع الطلب الاجتماعي في ظل ظرفية اقتصادية ومالية يطغى عليها طابع الأزمة، سيكون هو التحدي الرئيس الذي ستواجهه بلادنا سنة 2019، خاصة أن قانون المالية لم يحمل أية تدابير تمكننا من القول إن التعاطي مع الطلب الاجتماعي قد يمر دون تداعيات على السلم والأمن الاجتماعيين”.
ويعتبر عادل بن حمزة أن “تدبير الطلب الاجتماعي في ظل الخصاص المالي ونقص المشروعية الديمقراطية”، تحد أساسي بدوره، لأن “اللجوء للخيار الأمني” مثلا “له كلفة وتداعيات لا يمكن توقعها، خاصة أمام إرهاصات وتوقعات بموجة ثانية للربيع الديمقراطي أشد قوة من الموجة السابقة، فما يحدث اليوم في السودان والمخاض الذي يعرفه الأردن، وفي ظل غياب استحقاقات سياسية وانتخابية يمكن أن تعطي أملا للناس، فإن جميع المعطيات تؤكد على أن سنة 2019 ستكون سنة صعبة بالنظر إلى الوضعية الاقتصادية والمالية للدولة، ولعدم نجاعة الحلول التي تسوقها المنظمات والهيئات المالية الدولية”.
ويتبنى عبد المنعم لزعر، باحث في العلوم السياسية، نفس التحليل، إذ يرى أن أهم رهان للدولة خلال سنة 2019 هو “صياغة مشروع تنموي جديد يستجيب لرهانات الدولة وتطلعات المجتمع”، وهو رهان “لا شك سيُعد اختبارا حقيقيا للناطقين باسم الدولة، وكذا الناطقين باسم المجتمع”، خصوصا وأن “النجاح في الاختبار معناه وضع اللبنة الأولى لمعالجة معضلة الثقة في المؤسسات وفي السياسات، حيث إنه بدون ثقة لن يستطيع أي مشروع إنتاج أهدافه”.
لكن الإشكال أن الاقتصاد المغربي لن يساعد كثيرا في تجاوز حالة الاحتقان الاجتماعي، بالنظر إلى أنه يواجه “تحديات هيكلية” بحسب رشيد أوراز، مختص في الاقتصاد السياسي وباحث رئيسي في المعهد المغربي لتحليل السياسات، وهي تحديات يرى الباحث أنها “ستبقى حاضرة في سنة 2019″، وأبرزها “عجز الاقتصاد المغربي عن رفع وتيرة نموه، حيث لا يتجاوز في العادة ما بين 3 و4 في المائة، وهو معدل لا يسمح له برفع التحديات الاجتماعية التي تواجهه”، علاوة على “عجز بنيوي آخر عن خلق فرص شغل مستدامة في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة (مثل الصناعات والتكنولوجيات الحديثة)، ويرتبط هذا التحدي بشكل أساسي بالتحدي الأول، فضعف نسب النمو سيجعل الاقتصاد المغربي حبيس نفس القطاعات الاقتصادية التقليدية التي حقق فيها بعض التراكم”. ولتجاوز تحدي الاحتقان الاجتماعي، يقترح عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق سطات، إعادة النظر ليس في “النموذج الاقتصادي، والتدبير الحكومي، ونظام الحكامة” فقط، خصوصا أنها ركائز “أثبتت محدودية كبيرة في التفاعل مع الطلب الاجتماعي”، بل التفكير في كيفية إدماج “فئات كبيرة من المجتمع في النسق السياسي من جديد”، ما يعني أن المقاربة يجب أن تكون سياسية، خصوصا وأن “التحدي الرئيسي في العمق هو استعادة ثقة هؤلاء في المؤسسات معينة كانت أم منتخية”، يقول اليونسي.
استعادة السياسة
إعادة الثقة في المؤسسات السياسية، حكومة وأحزابا، تعتبر من التحديات التي توجه المغرب أيضا في 2019. ذلك أن الخلاصة الرئيسية حول السنة المنصرمة تفيد بأنها كانت سنة “إغلاق القوس” الديمقراطي، ما يعني أن المغرب يتجه نحو مزيد من التضييق على الحريات السياسية والديمقراطية، ويفسر أيضا لماذا أغلب السياسيين يعبرون عن أملهم في أن تكون السنة المقبلة لحظة استعادة الوعي، والعودة إلى سكة الانتقال الديمقراطي. عبد العزيز أفتاتي، قيادي في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، يعبّر عن هذا الأمل، “من أعز ما يمكن أن يأمله الانسان في العام الجديد هو عودة الانتقال الديمقراطي إلى سكته بعد التجريف الذي أعقب انتخابات أكتوبر 2016، وهذا لن يتأتى إلا بعودة السياسة وتحقيق الانفراج في قضايا ملف الريف وجرادة وأيضا الصحفيين توفيق بوعشرين وحميد المهداوي”، وبحسب أفتاتي فإن، “عودة السياسة خلال 2019 تكون بوضع حد للتحكم في الأحزاب واحترام استقلالها وتدعيمها واحتضانها شعبيا في إطار التنوع والتعددية”. لكن بعيدا عن الآمال، يتوقع عبد المنعم لزعر، باحث في العلوم السياسية، أن “تكون 2019 سنة التغييرات بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، لكون المؤشرات المتواترة في نهاية سنة 2018 تشير إلى تغييرات قادمة داخل هذا الحزب يجري التحضير لها لنقل الحزب من مسار لآخر. على أن رهان هذه الدينامية سيكون هو تحرير الحزب من إرث زعيمه السابق. في أفق الاستعداد للانتخابات المقبلة”، وبالمقابل، سيكون رهان باقي الأحزاب السياسية “تعزيز فعالية المنافذ وقنوات التواصل مع المجتمع، سواء كانت هذه المنافذ تنظيمية أو تواصلية”. وفي نهاية الأمر فإن 2019 “ستشكل آخر فرصة للأحزاب السياسية لإصلاح ما يمكن إصلاحه من أوضاع داخلية كانت أو خارجية، قبل حلول سنة 2020 التي ستشكل البداية الضمنية لمسلسل الصراع حول رهانات ثالث انتخابات تشريعية في ظل دستور 2011”.
في ظل محدودية الموارد الاقتصادية، واختلال توزيع المتوفر منها بين الفئات والجهات، وسرعة تأثر الاقتصاد الوطني بالظروف المناخية والإقليمية، لا يبدو أن الحديث عن نموذج تنموي جديد خلال سنة 2019 كاف لبث الأمل في نفوس الشباب العاطل والفقير والمهمش. ويبقى المخرج الممكن من حالة الاحتقان الاجتماعي تقديم جواب سياسي مقنع..

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر تم جلبه من موقع سنة 2019.. امتحان الحريات العامة والاحتقان الاجتماعي بالمغرب في موقعنا الشامل نيوز الاخباري | ولقد تم نشر الخبر من موقع مغرس وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي مغرس

أخبار ذات صلة

0 تعليق